gocorporation
download
التعليق على القواعد الحسان المتعلقة بتفسير القرآن - 1
4199
عناصر المادة:

طالب: قال المصنِّف رحمه الله تعالى:

مقدِّمة

الحمدُ لله نحمدُه ونستعينُه (ونستهدِيه)، ونستغفرُه ونتوب إليه، ونعوذُ بالله من شرورِ أنفسِنا وسيئاتِ أعمالنا، من يهْدِهِ الله فلا مضلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا الله وحدَهُ لا شريكَ له، وأن محمدًا عبدُه ورسولُه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّمَ تسليمًا كثيرًا. أما بعدُ: فهذه أصولٌ وقواعدُ في تفسيرِ القرآن الكريم، جليلةُ المقدار، عظيمةُ النفع، تُعينُ قارئها ومتأمِّلَها على فَهْمِ كلام الله، والاهتداءِ به، ومَخْبَرُها أجلُّ من وصفِها؛ فإنها تفتحُ للعبدِ من طرُقِ التفسيرِ ومِنْهاجِ الفَهمِ عن الله ما يُغني عن كثيرٍ من التفاسير الخالية من هذه البحوث النافعة. أرجو اللهَ وأسألُه أن يُتمَّ ما قصدْنا إيرادَه. الشيخ: كأنّ المؤلفَ -رحمةُ الله عليه- أخذ هذه القواعدَ في رمضانَ وهو يقرأُ القرآن؛ لأنّه ظاهرٌ أنّه ابتداء من أول رمضان إلى ثلاثة شوال، واضح أنّه في أيامِ قراءةِ القرآن وأيامِ الصوم.ثمّ إنّ ثناءَهُ عليها ليس بغريب؛ لأن ثناءَ أهل العلم على مؤلفاتِهم لا يقصدون بذلك الفخرَ أو التفاخرَ على الخلق، وإنما يقصدون شدَّ الناس إلى قراءتِها والالتفافِ حولَها.وقد ذكرنا قبلُ أنّ ابنَ مسعودٍ رضي الله عنه يقول: لوْ أعلمُ أنَّ أحدًا تنالُه الإبلُ أعلم بكتابِ الله منّي لرَحَلْتُ إليْهِ .هذا ما هو على قصدِ مدحِ نفسه، لكن قصد حثّ الناس على أخذ العلم منه، وعلى تمسكِهم بطلبِ العلم.وابنُ مالِكٍ أثنى على ألفيته؛ يقول فيها:
تُقَرِّبُ الْأَقْصَى بِلَفْظٍ مُوجَـــــــــزِ وَتَبْسُطُ الْبَذْلَ بِوَعْــدٍ مُنْجَــــزِ
وَتَقْتَضـــــي رِضًا بِغَيرِ سُخْــــــــطِ ....................
المهمُّ أنّ شيخَنا -رحمه الله- حينما أَثْنَى على هذا الكتاب لا يريدُ بذلك أن يفتخر به على الناس، وأنا أعرفُه تمامَ المعرفة أنه من أشدِّ الناسِ تواضعًا، ولكنّه -رحمه الله- أراد أن يشُدَّ الناسَ إلى هذا الكتاب لينتفعوا به.

***

الطالب: ويفتح لنا من خزائنِ جودِهِ وكرمِهِ ما يكونُ سببًا للوصول إلى العلم النافع، والهُدَى الكامل، فَاعلَمْ أن علمَ التفسير أجلُّ العلومِ على الإطلاق. الشيخ: عندكم (فاعلم)؟ عندي (واعلم)، حطوها نسخة ثانية؛ عشان تبين أنها خط المؤلف. الطالب: وَاعلَمْ أن علمَ التفسير أجلُّ العلومِ على الإطلاق وأفضلُها، وأوجبُها، وأحبُّها إلى الله؛ لأنّ الله أمَرَ بتدبرِ كتابِهِ، والتفكرِ في معانيه، والاهتداءِ بآياته، وأثنى على القائمينَ بذلك، وجعلَهُم في أعلى المراتب، ووعدَهُم أسنى المواهب، فلو أنفقَ العبدُ جواهرَ عُمُرِه في هذا الفنِّ لم يكنْ ذلك كثيرًا في جَنْبِ ما هو أفضلُ المطالب، وأعظمُ المقاصد، وأصلُ الأصولِ كلِّها، وقاعدةُ أساسِ السعادَةِ في الدَّارَيْن. الشيخ: (في الدين)، أيش عندكم؟ طلبة: (أساس السعادة).الطالب: (وقاعدة أساس السعادة في الدارين).الشيخ: لا، عندي (وقاعدة أساسات الدين، وصلاح أمور الدين والدنيا والآخرة).الطالب: عندنا ذلك (وقاعدةُ أساسِ السعادة في الدارَيْن، وصلاحُ أمور الدين والدنيا والآخرة). الشيخ: حطوها نسخة ثانية، (أساسات الدين). الطالب: وقاعدةُ أساسِ السعادة في الدَّارَيْن، وصلاحُ أمور الدين والدنيا والآخرة، وبه يتحقق للعبد حياةٌ زاهرةٌ بالهدى والخيرِ والرحمة، ويهيئُ الله له أطيبَ الحياةِ والباقياتِ الصالحات.فلنَشْرَع الآن بذكرِ القواعدِ والضوابط على وجه الإيجاز الذي يحصُلُ به المقصود؛ لأنه إذا انفتح للعبد البابُ وتَمَهَّدَت بفهمِ القاعدةِ الأسبابُ، وتَدَرَّبَ منها بعدّةِ أمثلةٍ تُوضحُها وتبينُ طريقَها ومنهجَها لم يحتجْ إلى زيادةِ البسطِ وكثرةِ التفاصيل.ونسألُه تعالى أن يُمِدَّنا بعونِهِ ولطفِهِ وتوفيقِهِ، وأن يجعلَنا هادين مهتدين بمنِّهِ وكرمه وإحسانه.

القاعدة الأولىفي كيفيةِ تلقي التفسير

كل من سلك طريقًا وعَمِل عملًا وآتاه من أبوابه وطرقِهِ الموصلةِ إليه؛ فلا بدَّ أن يُفلِح وينجحَ ويصلَ به إلى غايته، كما قال تعالى: وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا [البقرة: ١٨٩]. وكلما عَظُمَ المطلوبُ تَأَكَّد هذا الأمر، وتعيَّن البحثُ التامُّ عن أَمْثَلِ وأقومِ الطُّرُقِ الموصلة إليه، ولا ريبَ أنّ ما نحنُ فيه هو أهمُّ الأمورِ وأجلُّها، بل هو أساسُها وأصلُها.فاعلمْ أن هذا القرآنَ العظيمَ أنزله الله لهدايةِ الخلقِ وإرشادِهم، وأنه في كلِّ وقتٍ وزمانٍ ومكان يُرْشِدُ إلى أهدى الأمورِ وأقومِها إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء: ٩]. فعلى الناس أن يتلقَّوْا معنى كلامِ الله كما تلقاه الصحابةُ رضي الله عنهم؛ فإنهم كانوا إذا قرؤوا عشْرَ آياتٍ، أو أقلَّ أو أكثر، لم يتجاوزوها حتى يعرفوا ويُحقِّقوا ما دلت عليه من الإيمانِ والعلمِ والعمل ، فَيُنْزِلُونها على الأحوالِ الواقعة، يؤمنون بما احتوتْ عليه من العقائدِ والأخبار، وينقادون لأوامرِها ونواهيها، ويطبِّقُونها على جميع ما يشهدون من الحوادثِ والوقائعِ الموجودة بهم وبغيرِهم، ويحاسبون أنفسَهُم؛ هل هم قائمون بها أو مُخِلُّون بحقوقِها ومطلوبِها؟ وكيف الطريقُ إلى الثباتِ على هذه الأمورِ النافعة، وتدارُكِ ما نقص منها؟ وكيف التخلصُ منَ الأمورِ الضارّة؟ فيهتدون بعلومِه، ويتخَلَّقُون بأخلاقِه وآدابِه، ويعلمون أنه خطابٌ من عالمِ الغيبِ والشهادة موجَّهٌ إليهم، مطالَبون بمعرفةِ معانيه، والعملِ بما يقتضيه. فمَن سلَكَ هذا الطريقَ الذي سلكوه وجَدَّ واجتهدَ في تدبّرِ كلامِ الله؛ انفتحَ له البابُ الأعظمُ في علمِ التفسير، وقَوِيَت معرفتُه واستنارتْ بصيرتُه، واستغنى بهذا الطريقِ عن كَثْرة التَّكَلُّفَات، وعن البحوث الخارجية، وخصوصًا إذا كان قد أخذ من علوم العربية جانبًا قويًّا، وكان له إلمامٌ واهتمامٌ بسيرةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وأحوالِه مع أوليائِه وأعدائه، فإن ذلك أكبرُ عونٍ على هذا المطلب. ومتى عَلِم العبدُ أن القرآنَ فيه تِبيانُ كلِّ شيء، وأنه كفيلٌ بجميع المصالح مبيِّنٌ لها، حاثٌّ عليها، زاجرٌ عن الْمَضارِّ كلِّها، وجعل هذه القاعدةَ نصبَ عينيه، ونزَّلها على كلّ واقعٍ وحادثٍ؛ سابق أو لاحق؛ ظهر له عِظَمُ مواقعِها وكثرةُ فوائدِها وثمرتها. ويلتحقُ بهذه القاعدةِ القاعدةُ الثانية. الشيخ: خلاصة هذه القاعدة أنّ الله عز وجل أنزلَ القرآنَ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ، وأنّه يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ، ومتى آمنَّا بذلك فإنه يجبُ علينا أن نسلكَ الطريقَ التي توصلُنا إلى معرفةِ هذا القرآنِ والاهتداءِ به، ولْنعلَمْ أننا إذا سلكْنا هذه الطريقَ فإنّ الله تعالى يباركُ لنا فيما قصدنا، وفيما أردنا. قال اللهُ تعالى: كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ [ص: ٢٩]، وكلّما تدَّبرَ الإنسانُ هذا القرآنَ العظيم، وتذكَّر بما فيه، فإنه تحصُلُ له بركتُه عليه في عُمُره، وفي عمله، وفي يقينه، وفي جميعِ أحواله.وإذا أردتَ أن تأخذَ شاهدًا على هذا فانظرْ إلى أعمارِ مَن سبقنا من سلفِ هذه الأمة، كيف يحصلون على الخيرِ الكثيرِ العظيمِ الذي نتعجبُ: كيف يكتبون هذا الشيء؟ أو كيف يعملون على هذا الشيء؟ فضلًا عن الإعداد له، وما يسبقُه من تهيئةِ أبدانِهم، وقلوبِهِم، وأفكارِهِم.كلُّ هذا ببركةِ هذا القرآن العظيم، فعليك أن تشُدَّ يدَيْك به، وأن تعَضَّ عليه بالنواجذ، وأن تعلمَ أنك متى عمِلْتَ به فيما وجَّههُ الله عزّ وجلّ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ [ص: ٢٩]، فإنك ستنالُ السعادةَ في الدنيا والآخرة. وهؤلاءِ سلفُنا الكرامُ -رضي الله عنهم- الصحابة لا يتجاوزون عشرَ آياتٍ حتى يتعلموها وما فيها من العلمِ والعملِ؛ عشْرَ آياتٍ، فتعلموا القرآنَ لفظًا، والعلم والعمل جميعًا، ولهذا كان الواحدُ منهم إذا قرأَ (البقرةَ) و(آلَ عمرانَ) جَدَّ فيهم ؛ أي: صار عظيمًا محترمًا؛ لأنهم لا يقرؤون كما نقرأُ نحن مجردَ ألفاظٍ نُمرّها على اللسان بعد، ولا تصلُ إلى القلب أحيانًا، ولكنهم يقرؤون بتدبُّرٍ وتذكُّر واتعاظٍ، وهذا هو الذي نزعَ البركةَ من عِلْمنا؛ أننا لا نعملُ به، ولا نتذكر.فهذا هو خلاصةُ هذه القاعدة؛ أنَّ القرآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ، وأنّه هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ، وإذا كان كذلك فعلينا أن نصلَ إلى هذا الجوهرِ الثمين، وهو الهدى والبيانُ والتذكّر؛ حتى تحصلَ لنا البركةُ في أعمالِنا وأعمارِنا.

***

الطالب:

القاعدة الثانيةالعِبْرَةُ بعمومِ الألفاظِ لا بخصوصِ الأسبابِ

وهذه القاعدةُ نافعةٌ جدًّا، بمراعاتِها يحصُلُ للعبدِ خيرٌ كثيرٌ وعلمٌ غزيرٌ، وهذا الأصل اتفقَ عليه المحققون من أهل الأصول وغيرهم، فمتى راعيْتَ هذه القاعدةَ حقَّ الرّعايةِ، وعرفتَ أن ما قاله المفسرون من أسبـابِ النزول، إنما هو على سبيلِ المثـال لتوضيـحِ الألفاظ، وليست معاني الألفاظِ والآياتِ مقصورةً عليها، فقولهم: نزلت في كذا وكذا، معناه أن هذا مما يدخل فيها، ومن جملةِ ما يُرادُ بها، فإنّ القرآنَ -كما تقدّم- إنما نزل لهداية أولِ الأُمة وآخرِها. الشيخ: لا، (أنزل)، عندكم (نزل) ولَّا (أنزل)؟الطلبة: (نزل).الشيخ: يصلح، حطوها نسخة. الطالب: فإن القرآنَ -كما تقدّم- إنما نزلَ لهداية أولِ الأُمة وآخرِها، حيثُ تكونُ وأنَّى تكون، واللهُ تعالى قد أمَرَنا بالتفكُّر والتدبّر لكتابه، فإذا تَدَبَّرْنا الألفاظَ العامّة، وفهمنا أن معناها يتناولُ أشياءَ كثيرة، فلأيّ شيءٍ نُخرج بعض هذه المعاني مع دخولِ ما هو مثلُها ونظيرُها فيها؟! ولهذا قال..الشيخ: وعلى هذا، فإذا ادَّعَى شخصٌ خروجَ فردٍ من أفرادِ العموم من لفظِه، قلنا له: أين الدليلُ؟ وإلا فالأصلُ أن العامَّ شاملٌ لجميعِ أفرادِه. قال العلماء: وصورةُ السببِ قطعيّةُ الدخول، وما عداها فدخولُها ظنيٌّ، فالعامُّ يشملُ صورًا متعددةً، فصورةُ السبب التي نزلت الآيةُ من أجلِها قطعيّةُ الدخول؛ فمثلًا قضيةُ المرأةِ التي اشتكتْ إلى الرسول عليه الصلاة والسلام زوجَها؛ هذه قطعية الدخولِ في قولِه: وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا [المجادلة: ٣]، وظهارُ زيدٍ وعمرٍو بعد ذلك، قطعيةُ الدخول، ولّا ظنيّتُه؟ ظنيّتُهُ لاحتمالِ ألا يُرادَ بالعمومِ جميعُ أفراده، لكنَّها الحكمُ يشملُها إما بالعموم اللفظيّ؛ وهو الصحيح، وإما بالعمومِ المعنويّ وهو القياسُ؛ لعدَمِ أيش؟ لعدم الفارق.

***

الطالب: ولهذا قال ابنُ مسعودٍ رضي الله عنه: إذَا سَمِعْتَ اللَّهَ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوافَأَرْعِهَا سَمْعَكَ؛ فَإِنَّهُ إِمَّا خَيْرٌ تُؤْمَرُ بِهِ، وَإِمَّا شَرٌّ تُنْهَى عَنْهُ . فمتى مرَّ بك خبَرٌ عن صفاتِ الله وأسمائِهِ، وعمّا يستحقُّه من الكمال، وما يتنزَّهُ عنه من النقص؛ فأثبِتْ له جميعَ ذلك المعنى الكامل الذي أثبتَه سبحانه لنفسِهِ، ونزِّهْهُ عن كلِّ ما نَزَّهَ نفسَه عنه، وكذلك إذا مرَّ بك خبرٌ عن رسُلِه وكتبِه واليومِ الآخر، وعن جميعِ الأمور السابقة واللاحقة، فاجزِمْ جزمًا لا شكَّ فيه أنه حَقٌّ على حقيقته، بل هو أعلى أنواعِ الحقِّ والصدق، ومن أصدقُ من الله قِيلًا وحديثًا؟! وإذا أَمَرَ بشيء نظرتَ إلى معناه، وما يَدخلُ فيه، وما لا يدخل، وعلمتَ أنّ ذلك الأمرَ موجَّهٌ إلى جميعِ الأمة، وكذلك في النهي؛ ولهذا كانت معرفةُ حدودِ ما أنزلَ الله على رسوله أصلَ كلِّ الخيرِ والفلاح، والجهلُ بذلك أصلَ كلِّ الشرِّ والخسران. فمراعاةُ هذه القاعدة أكبرُ عونٍ على معرفةِ حدودِ ما أنزل الله على رسولِهِ والقيامِ بها. والقرآنُ قد جمع أَجَلَّ المعاني وأنفعَها وأصدقَها بأوضحِ الألفاظ وأحسنِها؛ كما قال تعالى: وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا [الفرقان: ٣٣]. يوضحُ ذلك ويبينُه وينهجُ طريقتَه:

القاعدة الثالثةالألف واللام الداخلةُ على الأوصافِ وأسماءِ الأجناسِ تفيدُ الاستغراقَ بحسَبِ ما دخلَتْ عليه

وقد نصَّ على ذلك أهلُ الأصولِ وأهلُ العربية، واتفق على اعتبار ذلك أهلُ العلمِ والإيمانِ، فمثلُ قولِه تعالى: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِإلى قوله تعالى: أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [الأحزاب: ٣٥] يَدخُلُ في هذه الأوصافِ كُلُّ ما تناولَه من معاني الإسلامِ والإيمانِ والقنوتِ والصدقِ إلى آخرِها، وأنّ بكمال هذه الأوصاف يكمُلُ لصاحبِها ما رُتِّبَ عليها من المغفرةِ والأجرِ العظيمِ، وبنقصانِها ينقص، وبعدمِها يُفقَد، وهكذا كلُّ وصف رُتِّبَ عليه خيرٌ وأجرٌ وثوابٌ، وكذلك ما يقابل ذلك، كلُّ وصفٍ نَهى الله عنه ورَتَّبَ عليه وعلى الاتصافِ به عقوبةً وشرًّا ونقصًا يكونُ له من ذلك بحسَب ما قام به من الوصفِ المذكورِ، وكذلك مثلُ قولِه..الشيخ: وهذه مرّت علينا أظنُّها؛ وهي أن الحكم إذا عُلِّقَ على وصفٍ ازدادَ بزيادةِ ذلك الوصفِ ونقصَ بنقصِهِ؛ لأنّ الحكمَ المعلَّقَ على وصفٍ يدلُّ على عِلِّيَّةِ ذلك الوصفِ، والحكمُ يدورُ مع عِلَّتِه وُجودًا وعدمًا، وقوةً وضعفًا، واضح هذا كلامُ الشيخ -رحمه الله- هو يؤيّدُ ما تقدَّم لنا من هذه القاعدةِ العظيمة. طالب: أيش ميزانه؟ الشيخ: أقول: إن الحكمَ إذا عُلِّقَ على وصفٍ فإنه يَقْوَى بقوة ذلك الوصفِ، ويَضْعُف بضعفه، فإذا قلت: إنَّ المؤمنَ له أَجْرٌ عظيمٌ، فكلّما قوِيَ الإيمانُ قويَ الأجرُ، وكلّما ضعُف ضعف الأجرُ، والعلةُ في ذلك أن الحكمَ المعلَّقَ على وصفٍ يدلُّ على أيش؟ على عِلِّيَّةِ ذلك الوصفِ، والحكمُ يدورُ مع علَّتِهِ وجودًا وعدمًا، وقوةً وضعفًا.طالب: شيخ، بعض الأحكام التي تعلقت بوصف يعني الوصف هذا لا يتغير؛ يعني لا يزيد ولا ينقص؟الشيخ: ما ها الشيء اللي ما يزيد ولا ينقص؟طالب: مثل السرقة والسارقة، يعني أن نبحث وصف السرقة..الشيخ: إي، السرقةُ تختلفُ، ولهذا لو سرق من حِرزٍ ما قُطِع، ولو سرق عدَّة مراتٍ قطعت يدُه اليسرى، ثم رجلُه اليمنى. طالب: شيخ، في العقاب ما يختلف في السرقة؟ الشيخ: كيف؟الطالب: لأن ما استفدنا شيئًا في أن عُلّق على وصف؟الشيخ: هو هذا السارقُ سرق سواء كان قليلًا أو كثيرًا، لكن القليل ما يقطع فيه، وإذا كرر السرقة قُطِعَ عضوٌ آخر.

***

الطالب: وكذلك مثلُ قولِه تعالى: إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا [المعارج: ١٩، ٢٠].الشيخ: هذا الجنس؛ لأن الشيخ -رحمه الله- ذَكَر الوصْفَ والجنسَ، أسماء جنس، هذه أسماء جنس، هذا مثال لاسمِ جنس.

***

الطالب: إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا [المعارج: ٢٠، ٢١] عام لجنس الإنسان، فكلُّ إنسانٍ هذا وصفُه، إلا من استثنى اللهُ بقوله: إِلَّا الْمُصَلِّينَإلى آخرها. [المعارج: ٢٢]. كما أن قوله: وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ [العصر: ١،٢] دالٌّ على أن كلَّ إنسانٍ عاقبتُه ومآلُه إلى خَسارٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر: ٣] وأمثالُ ذلك كثيرٌ. وأعظمُ ما تُعتبَرُ به هذه القاعدةُ في الأسماء الحسنى، فإنّ في القرآنِ منها شيئًا كثيرًا، وهي أجلُّ علومِ القرآنِ، بل هي المقصدُ الأوَّلُ للقرآن. فمثلًا يُخبر اللهُ عن نفسِه أنه الربُّ الحيُّ القيومُ، وأنه الملكُ، والعليمُ، والحكيمُ، والعزيزُ، والرحيمُ، والقُدُّوسُ، والسلامُ، والحميدُ المجيد.فالله هو الذي له جميعُ معاني الربوبيةِ التي يستحِقُّ أن يُؤَلَّهَ لأجلِها، وهي صفاتُ الكمالِ كلها، والمحامدُ كلُّها له، والفضلُ كلُّه، والإحسانُ كله، وإنه لا يُشارِكُ اللهَ أحدٌ في معنًى من معاني الربوبيةِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: ١١]، لا بَشَرٌ ولا مَلَكٌ، بل هم جميعًا عبيدٌ مَرْبُوبُونَ لربِّهم بكل أنواعِ الربوبيةِ، مقهورون خاضعون لجلالِه وعظمتِه، فلا ينبغي أن يكون أحدٌ منهم نِدًّا ولا شريكًا لله في عبادتِه وإلاهِيَّتِه، فبِرُبُوبِيَّتِهِ سبحانه يُربِّي الجميعَ من ملائكةٍ وأنبياءَ وغيرِهم خَلقًا ورزقًا وتدبيرًا، وإحياءً وإماتةً، وهم يشكرونه على ذلك بإخلاصِ العبادةِ كلِّها له وحدَه، فيُؤَلِّهُونَه ولا يتَّخِذُون من دونه وليًّا ولا شفيعًا، فالإلاهيةُ حقٌّ له سبحانه على عبادِه بصفةِ ربوبيته، وأنه الملِكُ الذي له جميعُ معاني الْمُلْكِ، وهو الْمُلْكُ الكاملُ والتصرفُ النافذُ، وأنّ الخلقَ كلَّهم مماليكُ للهِ، عبيدٌ تحت أحكامِ مُلْكِهِ القَدَرِيَّةِ والشرعيةِ والجزائيةِ، وأنه العليمُ بكلِّ شيءٍ، الذي لا يَخْفَى عليه شيءٌ في الأرضِ ولا في السماءِ.الشيخ: أفاد المؤلفُ -رحمه الله- أن الأحكامَ قَدَرِيَّةٌ، وشرعيةٌ، وجزائيةٌ، ونحن نقول دائمًا: إن الأحكامَ؟ طلبة: شرعيةٌ، وقدرية.الشيخ: شرعية وكونيةٌ أو قدرية؛ لأن الجزائيةَ داخلةٌ في القدريةِ؛ لأنها مما يُقَدِّرُه الله مما قَدَّرَه على هذا العمل، لكن هذه من بابِ البسطِ إذا قلنا: إنها كونيةٌ وشرعيَّةٌ وجزائيةٌ.

***

الطالب: وأنه العليمُ بكلِّ شيءٍ، الذي لا يَخْفَى عليه شيءٌ في الأرضِ ولا في السماءِ، الذي أحاط علمُه بالبواطنِ والظواهرِ، والخَفِيَّاتِ والجَلِيَّاتِ، والواجباتِ والمستحيلاتِ والجائزاتِ، والأمورِ السابقةِ واللاحقةِ، والعالمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ.الشيخ: المستحيلات! كيف أن الله تعالى يعلم المستحيلات؟ مثاله؟ إن الله يعلم المستحيلات؟طالب: (...).الشيخ: نبغي آية من القرآن؟طالب: (...).الشيخ: لا.طالب: قال الله تعالى: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا [الأنبياء: ٢٢]، هذا مستحيل، والله يعلم أنهما.. الشيخ: نعم، لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَاهذا تعلُّقٌ بشيءٍ مستحيلٍ؛ يعني: مستحيل أنه يكون فيهما آلهةٌ إلا اللهُ. طالب: كيف هذا؟الشيخ: هذا الكيف! أخبر اللهُ بأنه لو كان في هذا الكون آلهةٌ إلا اللهُ لَفَسَدَتا، فأخبر عن شيءٍ لا يمكنُ وجودُه، مستحيل.طالب: (...).الشيخ: إي، أخبر عن شيء وهو مستحيلٌ، ما يمكن يقع.

***

الطالب: والأمورِ السابقةِ واللاحقةِ، والعالمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ، والكُلِّيَّاتِ والجُزْئِيَّاتِ، وما يعلمُ الخلقُ وما لا يعلمون وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [البقرة: ٢٥٥]. وأنه الحكيمُ الذي له الحكمةُ التامَّةُ الشاملةُ لجميعِ ما قضاه وقدَّره وخلَقَه، وجميعِ ما شرَعَه، لا يَخْرُجُ عن حكمتِه لا مخلوقٌ ولا مشروعٌ.وأنه العزيزُ الذي له جميعُ معاني العِزَّةِ على وجهِ الكمالِ التامِّ من كل وجه: عزة القوة، وعزة الامتناع، وعزة القهر والغلبة، وأنَّ جميعَ الخلقِ في غايةِ الذُّلِّ ونهايةِ الفقرِ، ومُنْتَهى الحاجةِ والضرورةِ إلى ربِّهم.وأنه الرحمنُ الرحيمُ، الذي له جميعُ معاني الرحمةِ الذي وسِعَتْ رحمتُه كلَّ شيءٍ، ولم يَخْلُ مخلوقٌ من إحسانِه وبِرِّهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ، تَبْلُغ رحمتُه حيث يبلغُ علمُه رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا [غافر: ٧].وأنه القدوسُ السلامُ، المُعَظَّمُ المُنَزَّه عن كلِّ عيبٍ وآفةٍ ونقصٍ، وعن مماثَلَةِ أحدٍ، وعنْ أن يكونَ له نِدٌّ من خَلْقِه. وهكذا بقيَّةُ الأسماءِ الحسنى اعتبرْها بهذه القاعدةِ الجليلةِ يَنْفَتِحْ لك بابٌ عظيمٌ من أبوابِ معرفةِ اللهِ، بل أصلُ معرفةِ الله تعالى معرفةُ ما تحتوي عليه أسماؤه الحسنى، وتقتضيه من المعاني العظيمةِ، بحسَب ما يقدرُ عليه العبدُ، وإلا فلن يبلغَ علمُ أحدٍ من الخلقِ بذلك، ولن يحصي أحدٌ ثناءً عليه، بل هو كما أثنى على نفسِه، وفوق ما يُثني عليه عبادُه. ومن ذلك قوله تعالى: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة: ٢]، يشمل جميعَ أنواعِ البِرِّ والخيْرِ، وتشملُ التقوى جميعَ ما ينبغي ويلزم اتقاؤه من أنواعِ الْمَخُوفاتِ والمعاصي والمحرمات.الشيخ: أيش؟ (من أنواع)؟الطالب: (المخوفات). الشيخ: المخوفات! عندكم (المخوفات)؟ ما هي عندي (المخوفات)، عندي (من أنواع المعاصي والمحرمات)، لكن يصلح أنه (أنواع المخوفات) يمكن، مثل قوله: وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [آل عمران: ١٣١]، هذا أمرٌ بتقوى ما يُخَافُ.الطالب: والإثمُ اسمٌ جامعٌ لكل ما يُؤَثِّم ويُوقِعُ في المعصية، كما أن العدوانَ اسمٌ جامعٌ يدخل فيه جميعُ أنواعِ التعدي على الناسِ في الدماءِ والأموالِ والأعراضِ، والتعدِّي على مجموعِ الأمَّةِ وعلى الحكومات، والتعدي لحدود الله. والمعروفُ في القرآن: اسمٌ جامعٌ لكل ما عُرِفَ حُسْنُه وجمالُه شرعًا وعقلًا، وعكسه المنكَرُ والسُّوءُ والفاحشةُ. وقد نبَّهَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أُمَّتَه إلى هذه القاعدةِ، وأرشَدَهم إلى اعتبارها؛ إذ علَّمهم أن يقولوا في التشَهُّدِ في الصلاة: «السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ»، فقال: «فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُم ذَلِكَ سَلَّمْتُم عَلَى كُلِّ عَبْدٍ صَالِحٍ مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ» ، وأمثلتُها في القرآنِ كثيرةٌ جدًّا.طالب: شو الفائدة من القاعدة، خلاصتها؟الشيخ: خلاصتُها أنَّ المحلى (بأل) يَعُمُّ؛ سواءٌ دخل على وصفٍ أو دخل على اسمِ جنْسٍ، ثم عاد المؤلف استَطْرَد -رحمه الله- في أسماء الله سبحانه وتعالى، وأن (ألْ) فيها للاستِغْراق، فمثلًا السميعُ لاستغراقِ كل ما يمكِن من السمعِ؛ ولهذا ما من مسموعٍ إلا يسْمَعُه الله عز وجل، البصيرُ لاستغراقِ كلِّ ما يمكن من بصر، البَرُّ لاستغراقِ كلِّ ما يمكن من الخيرِ والإحسانِ، وهكذا.

***

الطالب:

القاعدة الرابعة

إذا وقعت النكرةُ في سياق النفْيِ أو النهْيِ أوِ الشرطِ أو الِاستفهامِ دلَّتْ على العمومِ كقولِه تعالى: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا [النساء: ٣٦] فإنه نهيٌ عن الشركِ به في النياتِ والأقوالِ والأفعالِ، وعن الشركِ الأكبرِ والأصغرِ، والخفيِّ والجليِّ، فلا يَجعلُ العبدُ لله نِدًّا ومُشَارِكًا في شيءٍ من ذلك. ونظيرُها قوله: فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: ٢٢]، وقوله في وصفِ يومِ القيامة: يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا [الانفطار: ١٩]، يَعُمُّ كلَّ نفسٍ، وأنها لا تمْلِكُ في هذا اليوم شيئًا من الأشياء لأيِّ نفسٍ أخرى، مهما كانت الصلةُ، لا إيصالَ شيءٍ من المنافعِ، ولا دفعَ شيء من المضارِّ. وكقوله تعالى: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ [يونس: ١٠٧]، فكلُّ ضُرٍّ قدَّره اللهُ على العبدِ ليس في استطاعةِ أحدٍ من الخلق كائنًا مَنْ كان كَشْفُه بوجْهٍ من الوجوه، ونهاية ما يقدر عليه المخلوق من الأسبابِ والأَدْوِيةِ إنما هو جزءٌ من أجزاءٍ كثيرةٍ داخلةٍ في قضاءِ الله وقدره. وقولِه: مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ [فاطر: ٢].وقولِه: وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [النحل: ٥٣] يشمل كلَّ خيرٍ في العبدِ ويصيبُ العبد، وكلَّ نعمةٍ فيها حصول محبوبٍ، أو دفع مكروهٍ، فإن الله هو المنفرد بذلك وحده.وقولِه: هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ [فاطر: ٣].وإذا دخلت (مِنْ) صارتْ نصًّا في العمومِ كهذه الآية: فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ [الحاقة: ٤٧]، وقوله في غيرِ آيةٍ: مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف: ٥٩]، ولها أمثلةٌ كثيرةٌ جدًّا.

(...) الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين قال رحمه الله تعالى:

القاعدة الخامسةالمُفْرَد المضافَ يُفيدُ العمومَ كما يفيدُ ذلك اسمُ الجمع

فكما أن قولَه تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْإلى آخرِها [النساء: ٢٣] يشملُ كلَّ أُمٍّ انتسبْتَ إليها وإن عَلَتْ، وكلَّ بنتٍ انتسَبَتْ إليك وإن نزلتْ، إلى آخرِ المذكورات، فكذلك قوله تعالى..الشيخ: وفيها أيضًا فائدةٌ ثانية: أن الأمَّ تشملُ كلَّ مَن انتسَبْتَ إليها، والبنتَ تشملُ كلَّ مَنِ انتَسَبَتْ إليكَ، سواء مِنْ قِبَلِ الأَبِ أو من قبل الأمِّ، كذلك خالةُ الإنسانِ خالةٌ له ولذُريته من بعدِه إلى يومِ القيامة، وعمةُ الإنسانِ عمةٌ له ولذريته إلى يوم القيامة، مفهوم هذا. طالب: حتى لو كان رضاعًا؟الشيخ: رضاعة، وغير رضاعة، إي نعم، حتى لو كان رضاعًا؛ فعمتُكَ عمَّةٌ لك ولأولادكَ وبناتِكَ وبناتِ بناتِكَ وبناتِ أولادكَ إلى آخره، وكذلك خالتك.

***

الطالب: فكذلك قوله تعالى: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضحى: ١١] فإنها تشملُ النِّعَمَ الدينيةَ والدنيويةَ.وقوله: قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام: ١٦٢]؛ فإنها تَعُمُّ الصلواتِ كلَّها، والأنساكَ كلَّها، وجميعَ ما العبدُ فيه وعليه في حياتِه ومماتِه، الجميعُ من الله فضلًا وإحسانًا، وأنك قد أتيتَ ما أتيتَ منه وأوقعتَه وأخلصتَه لله وحده لا شريك له.وقوله: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة: ١٢٥] على أحدِ القولَيْن؛ أنه يشملُ جميعَ مَقَامَاتِه في مشاعِرِ الحجِّ، اتَّخِذُوه مَعْبَدًا.وأصْرَح من هذا قوله: ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا [النحل: ١٢٣]، وهذا شاملٌ لكلِّ ما كان عليه إبراهيمُ من التوحيدِ والإخلاصِ للهِ تعالى، والقيام بحق العبودية.وأعمُّ من ذلك وأشملُ قوله تعالى لما ذكر الأنبياءَ: أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام: ٩٠].فأَمَرهُ اللهُ أن يقتديَ بجميعِ ما عليه المرسلون من الهدى، الذي هو العلومُ النافعةُ والأخلاقُ الزاكيةُ، والأعمالُ الصالحةُ، والهدى المستقيم. وهذه الآيةُ أحدُ الأدِلَّةِ على الأصلِ المعروفِ أنَّ شرعَ مَنْ قَبْلَنا شَرْعٌ لنا ما لم يَرِدْ شرعُنا بخلافه، وشرعُ الأنبياءِ السابقين هو هداهم في أصولِ الدينِ وفروعِهِ. وكذلك قوله تعالى: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ [الأنعام: ١٥٣]، وهذا يعمُّ جميعَ ما شَرَعَه لعباده؛ فعلًا وتركًا، اعتقادًا وانقيادًا، وأضافه إلى نفسِه في هذه الآية لكونه هو الذي نَصَبَه لعباده.كما أضافه إلى الذين أَنْعَمَ عليهم في قولِه: صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [الفاتحة: ٧]؛ لكونهم هم السالكينَ له. الشيخ: (السالكون)، عندكم: (هم السالكون)؟طالب: (السالكين).الشيخ: يصلح؟طالب: خبر.الشيخ: وتكون (هم) أيش؟طالب: ضمير فصل. الشيخ: أنا عندي بالرفع على أنها مبتدأ وخبرها (السالكون).

***

الطالب: فصِراطُ الذين أنعم اللهُ عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين الذين كانوا دائمين عليه من العلومِ والأخلاقِ والأوصافِ والأعمالِ.وكذلك قوله: وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف: ١١٠] يدخلُ في ذلك جميعُ العباداتِ الظاهرةِ والباطنةِ، العباداتِ الاعتقادية والعملية، كما أنَّ وَصْفَ الله لرسوله صلى الله عليه وسلم بالعبودية المضافَةِ إلى اللهِ؛ كقوله: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ [الإسراء: ١]، وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا [البقرة: ٢٣]، تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ [الفرقان: ١] تدلُّ على أنه وفَّى جميعَ مقاماتِ العبوديةِ، حيث نال أشرفَ المقاماتِ بتَوْفِيَتِه لجميعِ مقاماتِ العبوديةِ، وقوله: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ [الزمر: ٣٦]، فكلما كان العبدُ أقومَ بحقوقِ العبوديةِ كانت كفايةُ اللهِ له أكملَ وأتَمَّ، وما نَقَص منها نقص من الكفاية بحَسَبِه. وقوله: وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ [القمر: ٥٠]، وقوله: إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [النحل: ٤٠] يشملُ جميعَ أوامرِه القدريةِ الكونيةِ، وهذا في القرآن شيءٌ كثيرٌ. الشيخ: أظن هذا واضحًا، المفردُ المضافُ يُفيدُ العمومَ، والجمعُ المضاف أيضًا يفيد العموم؛ أما الجمعُ فهو أفاد العمومَ بصيغتِه وإضافتِه، والمفردُ أفاد العمومَ بالإضافةِ فقط؛ لو نظرنا إلى كونه مفردًا ما دل على العموم، لكن بالإضافة يدلّ؛ ولهذا قال العلماءُ: لو قال: امرأتي طالق، طلقت جميعُ نسائِه، ما لم يُرِد واحدةً معينةً، ولو قال: داري وقفٌ، وله ثلاثةُ دورٍ، صارت جميعُ الدورِ وقفًا؛ لأن المفردَ المضافَ يعمُّ. ولو قال: غلامي حُرٌّ، عَتَقَ جميعَ غِلْمانِه ما لم يَنْوِ.

***

الطالب:

القاعدة السادسةفي طريقةِ القرآنِ في تقريرِ التوحيدِ ونفيِ ضِدِّه

القرآنُ كلُّه لتقريرِ التوحيدِ ونفيِ ضدِّهِ، وأكثرُ الآياتِ يُقَرِّرُ اللهُ فيها توحيدَ الإلاهيةِ، وإخلاصَ العبادةِ.الشيخ: هذا البحثُ من أهمِّ البحوثِ؛ لأنه يجبُ أنْ يكونَ الإنسانُ مُوَحِّدًا في القَصْدِ والعملِ؛ في القصدِ لا يُريدُ بذلك إلا وجهَ اللهِ، في العملِ لا يتَّبِعُ إلا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فلا بُدَّ مِنْ هذين التوْحِيدَيْن؛ توحيد القصدِ وهو الإخلاصُ، وتوحيد العملِ وهو الاتباعُ للرسولِ صلى الله عليه وسلم، فإذا تَحَقَّق التوحيدان صَحَّتِ الأعمالُ، وإذا اخْتَلَّ أحدُهما فإنه يختلُّ من عملِه بِقَدْرِ ما اختَلَّ من توحيدِه.

***

الطالب: وإخلاصَ العبادةِ للهِ وحدَه، لا شريكَ له، ويخْبِرُ أن جميعَ الرسُلِ إنما أُرْسِلتْ تدعو قومَها إلى أن يعبدوا الله ولا يُشركوا به شيئًا، وأنَّ اللهَ تعالى إنما خَلَق الجِنَّ والإنسَ ليعبدوه. الشيخ: لماذا لم يكنْ تقريرُ الأنبياءِ ودعوتُهم إلى توحيدِ الربوبية؟لأن توحيدَ الربوبيَّة كانوا مُقرِّين به لا يُنْكِرونَه، ولم ينكر أحدٌ توحيدَ الربوبية أبدًا إلا مكابرةً، ما هنا أحد يعتقدُ أن هذا الكونَ خلقَ نفسَه أبدًا، حتى المجوس الثنوية، يَرَوْنَ أن للعالَمِ خالقَيْن، ومع هذا يَرَوْنَ أنَّ أَحَدَ الخالقَيْن أكملُ من الثاني؛ يرون أن النورَ يخْلُقُ الخيرَ، والظلمةَ تخلقُ الشرَّ، ويقولون: إنَّ النورَ إلهٌ خَيِّرٌ نافعٌ، والظلمةَ إلهٌ شريرٌ، ويقولون أيضًا بعضُهم: إِنَّ هذه الظلمةَ حادثةٌ بعد أن لم تَكُنْ، بخلاف النور. وعلى كل حال ما تجد أحدًا من الخلقِ يقول: إن هذا العالمَ خُلِقَ بدون خالقٍ أبدًا، إلا مكابرًا، مكابر هذا مشكل، أما الألوهية فإنه هو الذي وقع فيه النزاع والجدال بين الرسل وأممهم. طالب: (...). الشيخ: أبدًا، مكابرة، ما هو بصحيح، لو رجَعتَ إلى قَرارةِ نفسِهِ لكان كما قال تعالى: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ [النمل: ١٤].طالب: الشيوعيون حاولوا استخدام بعض النظريات العلمية (...). الشيخ: أبدًا، لا يمكنُ تجد عاقلًا يرى أَنَّ شيئًا مُحْدَثًا بدون مُحْدِث أبدًا، هذا شيء ما يصير ولو قالوه، ما يمكن هذا، هذا مكابرة، كيف يحدث شيء بدون محدِث؟!

***

الطالب: وأن الكتبَ والرسلَ، بل الفِطَرَ والعقولَ السليمةَ كلَّها اتَّفَقَتْ على هذا الأصلِ، الذي هو أصلُ الأصولِ كلِّها، وأن من لم يَدِنْ بهذا الدينِ الذي هو إخلاصُ العبادةِ والقلبِ والعملِ للهِ وحدَه فعَمَلُه باطلٌ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر: ٦٥] وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام: ٨٨]. ويدعو العبادَ إلى ما تقرَّر في فِطَرِهم وعقولِهم، مِنْ أنَّ اللهَ المنفردَ بالخلقِ والتدبيرِ، والمنفردَ بالنعمِ الظاهرةِ والباطنةِ هو الذي يستَحِقُّ العبادةَ وحدَه، ولا ينبغي أن يكونَ شيءٌ منها لغيرِه، وأن سائرَ الخلقِ ليس عندهم أيُّ قُدْرَةٍ على خَلْقٍ، ولا نفعٍ، ولا دفعِ ضرٍّ عن أنفسِهم، فضلًا عن أن يُغْنوا عنْ أحدٍ غيرِهم من الله شيئًا. ويدعوهم أيضًا إلى هذا الأصلِ بما يتمدَّحُ به، ويُثني على نفسِه الكريمةِ، مِنْ تفرُّدِه بصفاتِ العظمةِ والمجدِ، والجلالِ والكمالِ، وأنَّ مَنْ له هذا الكمالُ المطلقُ الذي لا يشاركُه فيه مشارِكٌ أحقُّ من أُخْلِصَت له القلوبُ والأعمالُ الظاهرةُ والباطنةُ. ويقرِّرُ هذا التوحيدَ بأنه هو الحاكمُ وحدَه، فلا يَحكُمُ غيرُه شَرْعًا ولا جَزَاءً إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [يوسف: ٤٠]، وتارَةً..الشيخ: هنا ما قال: ولا قَدَرًا؛ لأنه يتكلمُ عن تقرير الألوهيةِ، وإلا فلا يَحْكُمُ غيرُه لا قَدَرًا ولا شرعًا ولا جزاءً إلا الله سبحانه وتعالى.

***

الطالب: وتارَةً يُقَرِّرُ هذا بذكرِ محاسنِ التوحيدِ، وأنه الدينُ الوحيدُ الواجبُ شرعًا وعقلًا وفطرةً على جميعِ العبيدِ، ويذكرُ مساوئَ الشركِ وقُبْحَه، واختلالَ عقولِ أصحابِه بعدَ اختلالِ أديانِهم، وتقليبِ أفئدتِهِم، وكونهم أضلَّ من الأنعامِ سبيلًا، وتارةً يدعو إليه بذكرِ ما رُتِّبَ عليه من الجزاءِ الحسنِ في الدنيا والآخرةِ، والحياةِ الطيبةِ.. الشيخ: أنا عندنا: (وكونهم في شكٍّ وأمرٍ مريجٍ)، وهذه مهمة؛ لأنها لها تعلُّقًا بما قبلها. الطالب: وتارةً يدعو إليه بذكرِ ما رُتِّبَ عليه من الجزاءِ الحسنِ في الدنيا والآخرةِ، والحياةِ الطيبةِ في الدورِ الثلاثِ، وما رُتِّبَ على ضِدِّه من العقوباتِ العاجلةِ والآجلةِ، وكيف كانت عواقبُ المشركين أسوأَ العواقبِ وشَرَّها. وبالجملةِ فكُلُّ خيرٍ عاجلٍ وآجلٍ فإنه من ثمراتِ التوحيدِ، وكلُّ شَرٍّ عاجلٍ وآجلٍ فإنه من ثمراتِ الشركِ. والله أعلم.

القاعدة السابعةفي طريقةِ القرآنِ في تقريرِ نُبُوَّةِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم

الشيخ: يعني معناها الآن القاعدة هذه: تقريرُ القرآنِ، لماذا؟ لتوحيدِ الألوهيةِ، وأنّ اللهَ عزّ وجلّ يقرِّرُه إمَّا بكمالِ صِفاتِه، وإما بتوحيدِ ربوبيتِه، ولهذا يستدلُّ اللهُ عز وجل على هؤلاء المُنْكِرِين للأُلوهيَّةِ، بماذا؟ بالرُّبُوبيَّةِ؛ إذ إنَّه يَلزمُهم إذا أقرُّوا بأن اللهَ وحده هو الربُّ الخالقُ المالكُ المدبرُ لجميعِ الأمور يَلزمُهم ألّا يعبدوا إلا إيّاه.ولهذا نقولُ: إنَّ العَلاقةَ بين أقسامِ التوحيدِ الثلاثةِ هي أنَّ توحيدَ الربوبيةِ مستلزِمٌ لتوحيدِ الألوهيةِ، وتوحيدَ الألوهيةِ متضمِّنٌ لتوحيد الربوبية، وتوحيدَ الأسماء والصفاتِ من تمام توحيد الربوبية؛ لأنه يتضمنُ كمالَ صفات الخالق عزّ وجلّ. طالب: (...). الشيخ: الربوبيةُ تستلزمُ الألوهيةَ؛ يعني أن من أقرَّ بتوحيدِ الربوبيةِ لزمَهُ توحيدُ الألوهية. وأما توحيدُ الألوهيةِ فمتضمِّنٌ لتوحيدِ الربوبيةِ؛ لأنه لن يعبدَ العابدُ إلا مَن آمنَ بأنه رَبٌّ.

***

الطالب: هذا الأصلُ الكبيرُ قرَّرَه اللهُ في كتابِه بالطرقِ المتنوعةِ التي يُعْرَفُ بها كمالُ صِدْقِه صلى الله عليه وسلم، فأخبرَ أنه صدَّقَ المرسلين، ودعا إلى ما دعَوْا إليه، وأن جميعَ المحاسنِ التي في الأنبياءِ في نبيِّنَا محمد صلى الله عليه وسلم، وما نُزِّهوا عنه منَ النقائصِ والعيوبِ فرسولُنا محمدٌ صلى الله عليه وسلم أولاهم وأحقُّهم بهذا التنزيهِ، وأنَّ شريعتَهُ مهيمِنةٌ على جميعِ الشرائعِ، وكتابَهُ مهيمِنٌ على كلِّ الكتب، فجميعُ محاسنِ الأديانِ والكتبِ قد جمعَها اللهُ في هذا الكتابِ وهذا الدينِ، وفاقَ عليها بمحاسنَ وأوصافٍ لم توجدْ في غيرِهِ، وقرَّرَ نبوتَهُ بأنهُ أُمّيٌّ لا يكتبُ ولا يقرأُ، ولا جالَسَ أحدًا من أهل العلم بالكتب السـابقة، بل لم يَفْجَأِ الناس إلا وقد جاءهم بهذا الكتابِ الذي لو اجتمعتِ الإنسُ والجنُّ على أن يأتُوا بمثلِهِ ما أَتَوْا ولا قدروا، ولا هو في استطاعتِهم، ولو كان بعضُهم لبعضٍ ظهيرًا، وأنه مُحَالٌ مع هذا أن يكونَ من تِلقاءِ نفسِهِ، أو أن يكونَ قد تقوَّلَهُ على ربِّهِ، أو أن يكونَ على الغيبِ ظَنِينًا. وأعادَ القرآنُ وأَبْدَى في هذا النوعِ، وقرَّرَ ذلك بأنّهُ يُخبرُ بقصَصِ الأنبياءِ السابقينَ مطولةً على جميعِ الواقعِ الذي لا يَستريبُ فيه أحد، ثم يُخبرُ تعالى أنه ليس له طريقٌ ولا وصولٌ إلى هذا إلا بما آتاه الله من الوحي، كمثلِ قولِهِ تعالى لَمَّا ذكرَ قصةَ موسى مطولةً: وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ [القصص: ٤٤]، ولما ذكر قصةَ يوسفَ وإخوته. الشيخ: اصبر عندي: (مطوَّلة وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ [القصص: ٤٦] وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ) [القصص: ٤٤]، عندكم سقطت. الطالب: ولما ذكر قصةَ يوسفَ وإخوته مطولةً قال: وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ [يوسف: ١٠٢]. الشيخ: إي، عندكم السقط بعد سطر. الطالب: ولما ذكر قصةَ يوسفَ وإخوته مطولةً قال: وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ [يوسف: ١٠٢]. فهذه الأمورُ والإخباراتُ المفصَّلةُ التي يُفصِّلُها الرسولُ صلى الله عليه وسلم بما أُوحي إليه تفصيلًا، صحّحَ به أكثرَ الأخبارِ والحوادثِ التي كانت في كتبِ أهلِ الكتابِ محرفةً ومشوهةً بما أضافوا إليها من خرافاتٍ وأساطيرَ، حتى ما يتعلقُ منها بعيسى وأُمِّهِ وولادتِهما ونشأتِهما، وبموسى وولادتِهِ ونشأتِه، كلُّ ذلك وغيرُه لم يكن يعرفُهُ أهلُ الكتابِ على حقيقتِه حتى جاء القرآنُ فقصَّ ذلك على ما وقَعَ وحصَل، مما أدهش أهلَ الكِتاب وغيرَهم، وأخرسَ ألسنتَهم حتى لم يقدرْ أحدٌ منهم ممن كان في وقتِهِ، ولا ممن كانوا بعد ذلك، أن يُكذِّبوا بشيءٍ منها، فكان ذلك، ولا معارضته من أكبرِ الأدلةِ على أنّهُ رسولُ الله حقًّا. وتارَةً يُقرّرُ نبوتَه بكمالِ حكمة الله، وتمامِ قدرتِهِ، وأنَّ تأييدَهُ لرسولِه ونصرَهُ على أعدائِه وتمكينَه في الأرضِ هو مقتضى حكمةِ ورحمةِ العزيزِ الحكيم، وأنّ من قَدَحَ في رسالتِهِ فقد قدحَ في حكمةِ اللهِ وفي قدرتِهِ وفي رحمتِهِ، بل وفي ربوبيَّتِهِ، وكذلك نصرُه وتأييدُه الباهرُ لهذا النبيّ على الأممِ الذين هم أقوى أهلِ الأرض من آياتِ رسالتِهِ، وأدلةِ توحيدِهِ، كما هو ظاهِرٌ للمُتَأَمِّلِين. وتارَةً يقرّرُ نبوتَهُ ورسالتَهُ بما جمع له وكمَّله به من أوصافِ الكمالِ، وما هو عليه من الأخلاقِ الجميلةِ.طالب: عندنا (بما جمع له وكمَّله من أوصاف).الشيخ: كيف؟! (بما حازه من أوصاف الكمال، وما هو عليه من الأخلاقِ الجميلةِ). الطالب: وتارَةً يقرّرُ نبوتَهُ ورسالتَهُ بما جمع له وكمَّله به من أوصافِ الكمالِ، وما هو عليه من الأخلاقِ الجميلةِ، وأنَّ كلَّ خُلُقٍ عالٍ سامٍ فلِرسولِ الله صلى الله عليه وسلم منه أعلاه وأكملُه.فمَن عظُمتْ صفاتُه، وفاقتْ نُعُوتُه جميعَ الخلقِ التي أعلاها الصدقُ والأمانةُ، أليس هذا أكبرَ الأدلةِ على أنه رسولُ ربِّ العالمين، والمصطفى المختارُ من الخلق أجمعين؟ وتارَةً يقرِّرُها بما هو موجودٌ في كتب الأولين، وبشاراتِ الأنبياءِ والمرسلين السابقين، إما باسمه اللَّقَب أو بأوصافِهِ الجليلةِ.الشيخ: (العَلَم) أحسن.الطالب: أو بأوصافِهِ الجليلةِ، وأوصـافِ أمّتِهِ وأوصـافِ دينه كما في قولِهِ تعالـى: وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [الصف: ٦]. وتارَةً يقرّرُ رسالتَهُ بما أخبرَ به من الغيوبِ الماضيةِ والغيوبِ المستقبَلة التي وقعتْ في زمانٍ مضى على زمانِهِ أو وقعتْ في زمانِهِ والتي لا تزالُ تقعُ في كلِّ وقتٍ، فلولا الوحيُ ما وصلَ إليه شيءٌ من هذا، ولا كان له ولا لغيرِهِ طريقٌ إلى العلم به. الشيخ: (ولا له ولا لغيرِهِ طريقٌ إلى العلم به) صح.الطالب: وتارَةً يقرّرُها بحفظه إياه، وعصمتِه له من الخلق، مع تكالُبِ الأعداءِ وضغطِهِم عليه، وجِدِّهم التامِّ في الإيقاعِ به بكلِّ ما في وُسْعِهم، والله يعصمُهُ ويمنعُهُ منهم وينصرُهُ عليهم، وما ذاك إلا لأنه رسولُهُ حقًّا، وأمينُهُ على وحيِهِ، والمبلِّغُ ما أمَرَ به. وتارَةً يُقَرِّرُ رسالتَهُ بذكرِ عظمةِ ما جاء به، وهو القرآن الذي لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت: ٤٢]، ويتحدى أعداءَهُ ومن كفَرَ به أن يأتوا بمثله أو بعشرِ سورٍ مثلِهِ أو بسورَةٍ واحدةٍ، فعجزوا ونكَصُوا وباؤوا بالخيبةِ والفشل، وهم أهل الأَلْسُنِ الْمُبرِّزُون في ميدان القـول والفصـاحة، ومع ذلك ما استطـاعـوا -مع شدّةِ حرصـِهِم ومحاولتِهم- أن يأتوا بسورةٍ منه، وما استطـاعـوا، ولا قدروا -مع شدّةِ حرصـِهِم ومحاولتِهم- أن يجدوا فيه نقصًا أو عيبًا يَنزلُ به عن أعلى درجاتِ الفصاحةِ التي ملكت أزمَّةَ قلوبِهِم، فلجَؤُوا إلى السيفِ وإراقَةِ دمائِهم، وما كانوا يعمدون إلى هذا لولا أنهم لم يجدوا سبيلًا إلى محاربتهِ بالقول، وما كانوا يزعمونه عندهم علومًا وحِكَمًا، فكان عدولُهم إلى السيف وإراقةِ الدماء أكبرَ الأدلةِ على صدقِ الرسولِ صلى الله عليه وسلم وأنَّهُ لا ينطقُ عن الهوى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم: ٤].وأقطع البراهينِ على أنه الحقُّ والهدى من عند الله الذي جمعَ اللهُ فيه لرسولِهِ وللمؤمنين به كلَّ ما يكفلُ لهم سعادةَ الدنيا والآخرة في كل شؤونِهِم، وأنَّ هذا القرآنَ لأكبرُ أدلةِ رسالتِهِ وأجلُّها وأعمُّها.واللهُ تعالى يقرّرُ أنَّ القرآنَ كافٍ جدًّا أن يكونَ هو الدليلَ الوحيدَ على صدقِ رسولِهِ صلى الله عليه وسلم في مواضعَ عدّةٍ، منها قولهُ: أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [العنكبوت: ٥١]. وتارَةً يقرّرُ رسالتَهُ بما أظهرَ على يديه من المعجزات، وما أجرى له من الخوارقِ والكراماتِ، الدالّ كلُّ واحدٍ منها بمفردِهِ -فكيف إذا اجتمعت؟!- على أنه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الصادقُ المصدوقُ الذي لا ينطق عن الهوى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم: ٤]. وتارَةً يقرِّرُها بعظيمِ شفقتِهِ صلى الله عليه وسلم على الخَلْق، وحُنُوِّهِ الكاملِ على أُمَّتِهِ، وأنه بالمؤمنين رؤوفٌ رحيم، وأنه لم يوجدْ ولن يوجدَ أحدٌ من الخلق أعظم شفقةً ولا برًّا ولا إحسانًا إلى الخلق منه، وآثارُ ذلك ظاهرةٌ للناظرين. فهذه الأمورُ والطرقُ قد أكثرَ الله من ذِكْرِها في كتابِهِ وقرّرها بعباراتٍ متنوعةٍ، ومعانٍ مفصلَةٍ وأساليبَ عجيبةٍ، وأمثلتُها تفوقُ العدَّ والإحصاءَ. واللهُ أعلم.

القاعدة الثامنةطريقةُ القرآنِ في تقريرِ المعادِ

وهذا الأصلُ الثالثُ من الأصولِ التي اتفقتْ عليها الرسُلُ والشرائعُ كُلُّها، وهي التوحيدُ والرسالةُ وأمرُ المعاد وحشرُ العبادِ، وهذا قد أكثرَ اللهُ من ذكرِهِ في كتابه الكريمِ، وقرَّرَه بطرقٍ متنوعة: منها: إخبارُهُ، وهو أصدقُ القائلينَ عنه وعمَّا يكونُ فيه من الجزاءِ الأَوفى، مع إكثارِ اللهِ من ذكرِهِ؛ فقد أقسَمَ عليه في ثلاثةِ مواضعَ من كتابِهِ، كقولِهِ: لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ [القيامة: ١]. ومنها: الإخبارُ بكمالِ قدرَةِ اللهِ تعالى ونفوذِ مشيئَتِهِ، وأنَّهُ لا يُعجزُهُ شيء، فإعادَةُ العبادِ بعد موتِهِم فرْدٌ من أفرادِ آثارِ قدرتِهِ. ومنها: تذكيرُهُ للعبادِ بالنشأَةِ الأولى..الشيخ: المؤلف يقول: إن الله (أقسم عليه في ثلاثةِ مواضعَ من كتابه)، أو: أمَرَ نبيَّه أن يُقسم عليه؟ طالبة: بل أَمَرَ نبيَّهُ. الشيخ: إي؛ لأنَّ الإقسامَ عليه كثيرٌ، أكثرُ من ثلاثةِ مواضعَ، لكنه أمر نبيه أن يقسم في ثلاثة مواضع، وين؟طالب: سورة التغابن، سورة يونس.الشيخ: نعم.الطالب: سورة التغابن..الشيخ: يونس.الطالب: قُلْ إِي وَرَبِّي [يونس: ٥٣] (...). التغابن: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي [التغابن: ٧].الشيخ: الثالث؟ طالب: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي [سبأ: ٣].الشيخ: لَتَأْتِيَنَّكُمْ.

***

الطالب: ومنها: تذكيرُهُ للعبادِ بالنشأَةِ الأولى وَأَنَّ الذي أوجدَهُم ولم يكونوا شيئًا مذكُورًا لا بدَّ أن يعيدَهُم كما بدأَهم، وأنَّ الإعادةَ أهونُ عليه، وأعادَ هذا المعنى في مواضعَ كثيرةٍ بأساليبَ متنوعةٍ. ومنها: إحياؤُهُ الأرضَ الهامدةَ الميتةَ بعدَ موتِها، وأنَّ الذي أحياها سُيحيي الموتى، وقرَّرَ ذلك بقدرتِهِ على ما هو أكبرُ من ذلك، وهو خلْقُ السماواتِ والأرضِ والمخلوقاتِ العظيمة، فمتى أثبتَ المنكرونَ ذلك -ولن يقدروا على إنكاره- فلِأيِّ شيْءٍ يستبعدونَ إحياءَ الموتى؟! وقرَّرَ ذلك بسَعَةِ علمِهِ، وكمالِ حكمَتِهِ، وأنَّهُ لا يليقُ به ولا يَحْسُنُ أن يَتركَ خلقَهُ سُدًى مُهْمَلين؛ لا يُؤمرونَ ولا يُنهَوْن، ولا يُثابونَ ولا يعاقبونَ. وهذا طريقٌ قرَّرَ به النبوةَ وأمرَ المعادِ.ومما قرَّرَ به البعثَ ومُجازاةَ المحسنينِ بإحسانِهِم، والمسيئينَ بإساءَتِهِم ما أخبرَ به من أيامِهِ وسُننِهِ سبحانه في الأممِ الماضيةِ والقرونِ الغابرةِ، وكيفَ نَجَّى الأنبياءَ وأتباعَهُم، وأهلَكَ المكذبينَ لهم المنكرينَ للبَعْثِ، ونوَّعَ عليهم العقوباتِ، وأحلَّ بهم المَثُلاتِ، فهذا جزاءٌ مُعجَّلٌ ونموذجٌ من جزاءِ الآخرةِ أراهُ اللهُ عبادَهُ لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ [الأنفال: ٤٢]. ومن ذلك: ما أرى الله عبادَهُ من إحيائهِ الأمواتَ في الدنيا كما ذكرَهُ اللهُ عن صاحبِ البقرةِ والأُلُوفِ من بني إسرائيلَ، والذي مرَّ على قريةٍ وهي خاويةٌ على عروشِها، وقصة إبراهيمَ الخليلِ والطيورِ، وإحياء عيسى بنِ مريمَ للأمواتِ، وغيرها مما أراهُ الله عبادَهُ في هذِهِ الدارِ، ليعلموا أنَّهُ قويٌّ ذو اقتدارٍ، وأنَّ العبادَ لا بدَّ أن يَرِدوا دارَ القرار؛ إما الجنّة أوِ النار. وهذِهِ المعاني أبداها اللهُ وأعادها في مَحال كثيرةٍ. والله أعلم. الشيخ: وإنما أبدى اللهُ سبحانه وتعالى وأعادَ لسببيْنِ: السببِ الأول: قوّةُ المنافِسِ والمكابِرِ والمعانِدِ والمنكِرِ؛ فكُلَّما قوِيَ الإنكارُ وكثُرَ المعانِدُ فإنَّهُ لا بدَّ أنْ يُكرَّرَ الأمرُ رَدْعًا له وإثباتًا للحقّ.والثاني: لأهميةِ الإيمانِ باليومِ الآخرِ؛ لأنّ مَن لم يؤمنْ باليومِ الآخرِ لن يعمل، فإنَّ الإنسانَ إذا كان يقول: ما فيه بعث، ولا جزاء، ولا حساب، ما هو براح يعمل، أليس كذلك؟ ويش أعمله؟! ما دام يقول: أنا إنْ فعلْتُ الخطيئةَ أو فعلت الحسنةَ، فهو على سواء، فلن يعمل.فلِهَذا كان اللهُ عزَّ وجلَّ يُكثرُ من ذكْرِ البعثِ بعد الموت، وضربِ الأمثال له، والإقسامِ على ثبوتِهِ، وغيرِ ذلك مما أشارَ إليه الشيخُ رحمَهُ الله؛ لهذا السبب.

***

الطالب:

القاعدة التاسعةفي طريقةِ القرآنِ في أمرِ المؤمنين وخطابِهم بالأحكامِ الشرعية

قد أمرَ اللهُ تعالى بالدعاء إلى سبيلِهِ بالتي هي أحسنُ، أي بأقربِ طريقٍ موصلٍ للمقصود، محصِّل للمطلوب، ولا شكَّ أن الطُّرقَ التي سلكَها اللهُ في خطابِ عبادِهِ المؤمنينَ بالأحكامِ الشرعيةِ هي أحسنُها وأقربُها. فأكثرُ ما يدعوهم إلى الخير وينهاهم عن الشرِّ بالوصفِ الذي مَنَّ عليهم بهِ؛ وهو الإيمان، فيقولُ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [البقرة: ١٠٤] افعلوا كذا، واتركوا كذا؛ لأنَّ في ذلك دعوةً لهم من وجهيْنِ: أحدهما: من جهَةِ الحثِّ على القيامِ بلوازمِ الإيمانِ، وشروطِهِ ومُكمِّلاتِهِ، فكأنَّه يقولُ: يا أيها الذين آمنوا، قوموا بما يقتضيهِ إيمانُكم من امتثالِ الأوامر واجتنابِ النواهي، والتّخلّقِ بكلّ خُلُقٍ حميدٍ والتجنّب لكل خُلُقٍ رذيل. فإنَّ الإيمانَ الحقيقيَّ هكذا يَقتضي، ولهذا أجمعَ السلفُ أن الإيمانَ يَزيدُ ويَنقُص، وأنَّ جميعَ شرائعِ الدينِ الظاهرةِ والباطنةِ منَ الإيمانِ ولوازمِهِ، كما دلَّتْ على هذا الأصلِ الأدلةُ الكثيرةُ منَ الكتابِ والسنّةِ، وهذا أحَدُها؛ حيثُ يُصَدِّرُ اللهُ أمْرَ المؤمنينِ بقولِهِ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواأو يُعلّقُ فعلَ ذلك على الإيمانِ، وأنّهُ لا يتمُّ الإيمانُ إلا بذلك المذكور. والوجه الثاني: أن يدعوَهم بقولِهِ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواافعلوا كذا، أوِ اتركوا كذا، أو يُعلّقَ ذلك بالإيمانِ، يدعوهم بِمنَّتِه عليهم بهذه الْمِنَّة التي هي أجلُّ الْمِنَنِ؛ أي: يا مَن مَنَّ الله عليهم بالإيمانِ قوموا بشكرِ هذه النعمةِ بفعلِ كذا وتركِ كذا. طالب: (...) أول هذا الوجه فقط (...)؟ الشيخ: كيف؟الطالب: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواهذه التلاوة (...) ما تقدم (...).الشيخ: (أحدهما: من جهةِ الحثِّ على القيام بلوازم الإيمان وشروطه، والثاني: أن يدعوَهم بقولِهِ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواافعلوا كذا، أوِ اتركوا كذا، أو يُعلّقَ ذلك بالإيمانِ، يدعوهم بِمنَّتِه عليهم بهذه الْمِنَّة التي هي أجلُّ الْمِنَنِ، من حيث إنها مِنّة)، واضح؟ ومُناداتُهم بـيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوالأجلِ إغرائِهم، وحثِّهِم على أن يفعلوا، وأنَّ ذلك من مُقتضَى الإيمانِ.الثاني: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواإشعارٌ لهم بِمِنّة الله عليهم بالإيمان؛ يعني: اذكروا هذه النعمةَ التي أنعمْتُ بها عليكم وهي الإيمانُ الذي ناديْتُكم به.

***

الطالب: فالوجهُ الأول: دعوةٌ لهم أن يُتمّموا إيمانَهم، ويُكملوه بالشرائعِ الظاهرةِ والباطنة.والوجهُ الثاني: دعوةٌ لهم إلى شكرِ نعمةِ الإيمانِ ببيانِ تفصيلِ هذا الشكرِ، وهو الانقيادُ التامُّ لأمرِهِ ونهيه.وتارَةً يدعو المؤمنين إلى الخيرِ وينهاهُم عنِ الشرِّ بذكرِ آثارِ الخيرِ وعواقبِهِ الحميدةِ العاجلةِ والآجلةِ، وبذكرِ آثارِ الشرِّ وعواقبِهِ الوَخِيمَةِ في الدنيا والآخرة. وتارَةً يدعوهم إلى ذلك بذكرِ نعمةٍ من نعمِهِ المتنوعةِ، وآلائِهِ الجزيلةِ، وأنَّ النِّعَمَ تقتضي منهمُ القيامَ بشكرِها، وشكرُها هو القيامُ بحقوقِ الإيمانِ. وتارةً يدعوهم إلى ذلك بالترغيبِ والترهيبِ، ويذكرُ ما أعدَّ اللهُ للمؤمنينَ الطائعينَ من الثواب، وما للعصاةِ من العقاب. وتارةً يدعوهم إلى ذلك بذكرِ ما له من الأسماءِ الحسنى، وما له من الحقِّ العظيمِ على عبادِهِ، وأنَّ حقَّهُ عليهم أن يَقوموا بعبوديتهِ ظاهرًا وباطنًا، ويَتعبّدُوا له وحدَهُ، ويدْعُوه بأسمائِهِ الحسنى وصفاتِهِ المقدَّسةِ. فالعباداتُ كلُّها شكرٌ للهِ، وتعظيمٌ وتكبيرٌ، وإجلالٌ وإكرامٌ، وتَودُّدٌ إليه، وتقرُّبٌ منه، وتارَةً يدعوهم إلى ذلك لأجلِ أن يتخذُوهُ وحدَه وليًّا ومَلجأً، ومَلاذًا ومَعاذًا، ومَفْزَعًا إليهِ في الأمورِ كُلِّها، ويُنيبوا إليهِ في كلِّ حالٍ، ويخبرُهم أنَّ هذا هو أصلُ سعادَةِ العبدِ وصلاحِهِ وفلاحِهِ، وأنّهُ إنْ لم يدخلْ في ولايةِ اللهِ وتَوَلِّيهِ الخاصّ تولاهُ عدوُّه الذي يريدُ له الشرَّ والشَّقاءَ، ويُمَنِّيهِ ويغُرُّهُ حتى يُفوِّتَه المنافعَ والمصالحَ ويُوقعه في المهالكِ. وهذا كُلُّه مبسوطٌ في القرآنِ بعباراتٍ متنوّعةٍ. وتارَةً يَحُثُّهُم على ذلك ويحذّرُهم من التّشبُّهِ بأهلِ الغفلةِ والإعراضِ والأديانِ المُبَدَّلةِ؛ لئلا يَلْحَقَهُم من اللَّوْمِ ما لَحِقَ أولئك الأقوامَ، كقولِهِ: وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الزمر: ٦٥]، فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ [البقرة: ٣٥]، وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ [الأعراف: ٢٠٥]، أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ [الحديد: ١٦]، إلى غيرِ ذلك من الآياتِ.

القاعدة العاشرةفي طُرُقِ القرآنِ إلى دعوةِ الكُفارِ على اختلافِ مِلَلِهِم

يدعوهم إلى الإسلام والإيمانِ بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم بما يصِفُهُ من محاسنِ شرعِهِ ودينِهِ، وما يذكُرُه من براهين رسالَةِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم ليهتديَ مَن قصدَ الحقَّ والإنصافَ، وتقوم الحجةُ على المعاندِ. وهذا أعظمُ طريقٍ يُدْعَى به جميعُ المخالفين لدينِ الإسلامِ، فإنَّ محاسنَ دينِ الإسلامِ ومحاسنَ النبي صلى الله عليه وسلم وآياتِهِ وبراهينه فيها كفايةٌ تامّةٌ للدعوةِ، بقطعِ النظرِ عن إبطالِ شُبَهتهم، وما يَحْتَجُّون به، فإنَّ الحقَّ إذا اتَّضَحَ عُلِمَ أنَّ كلَّ ما خالفَهُ فهو باطلٌ وضلالٌ. ويدعوهم بما يُخَوِّفُهم من أحداثِ الأممِ وعقوباتِ الدنيا والآخرة، وبما في الأديانِ الباطلةِ من أنواعِ الشرورِ والعواقبِ الخبيثة، وأنها إنما تقومُ على الغفلةِ والتكذيبِ لآياتِ اللهِ الكونيّةِ والعلميّةِ بالوقوعِ تحتَ سلطانِ الجهلِ والتقليدِ الأعمى للآباءِ والشيوخِ والسادة، ويحذّرُهُم من طاعةِ هؤلاءِ الرؤساءِ؛ فإنهم رؤساءُ الشرِّ، ودعاةُ النارِ، وأنهم لا بدَّ أنْ تتقطّعَ نفوسُهُم على ما عَمِلوهُ وقدّمُوه حسرات، وأنهم يَتَمَنَّوْن أن لو أطاعوا الرسولَ صلى الله عليه وسلم ولم يُطيعوا السادةَ والرؤساءَ، وأنَّ مودّتَهم وصداقَتَهم وموالاتَهم تستبدلُ بُغضًا وعداوةً. ويدعوهم أيضًا بنحْوِ ما يدعو المؤمنينَ بذكرِ آلائِهِ ونعمِهِ، وأنَّ المنفردَ بالخلقِ والتدبيرِ والنعمِ الظاهرةِ والباطنةِ هو الذي يجبُ على العباد طاعتُهُ وامتثالُ أمرِهِ واجتنابُ نَهيِهِ. ويدعوهم أيضًا بشرحِ ما في أديانِهِم الباطلةِ، وما احتوتْ عليه من القُبْح، ويقارنُ بينها وبينَ دينِ الإسلامِ، ليتبيّنَ ويتضحَ ما يجبُ إيثارُهُ، وما يتعيّنُ اختيارُهُ، ويدعوهم بالتي هي أحسنُ، فإذا وصلَتْ بهم الحالُ إلى العنادِ والمكابرةِ الظاهرةِ توعّدَهُم بالعقوباتِ الصَّوَارمِ، وبيَّنَ للناسِ طريقتَهُمُ التي كانوا عليها، وأنّهم لم يخالفوا الدينَ جهلًا وضلالًا أو لقيامِ شُبهةٍ أوجبتْ لهم التَّوقُّفَ، وإنما ذلك جحودٌ ومكابرةٌ وعنادٌ. ويبيّن مع ذلك الأسبابَ التي منعتْهُم من متابعةِ الهُدَى، وأنها رِيَاساتٌ وأغراضٌ نفسيّةٌ، وأنهم لما آثروا الباطلَ على الحقِّ طُبِعَ على قلوبِهِم وخُتِم عليها، وسدّ عليهم طرق الهدى عقوبةً لهم على إعراضِهِم وَتَوَلِّيهِم الشيطانَ، وتَخلِّيهِم من ولايةِ الرحمن، وأنّه ولَّاهم ما تولَّوْا لأنفسِهِم. وهذِهِ المعاني الجزيلةُ مبسوطةٌ في القرآنِ في مواضعَ كثيرةٍ، فتأملْ وتَدَبَّرِ القرآنَ تجدْها واضحةً جليّةً، واللهُ أعلم.